عبد الشافى محمد عبد اللطيف

429

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

كل ذلك لم يؤثر فيهم ، ولم يحملهم على مراجعة مواقفهم ؛ لأن شحنة العداء التي شحنتهم بها الكنيسة ورجالها كانت أكبر وأعمق من قدرتهم على التخلص منها ، فاستمروا في عدائهم وحقدهم ، بل أخذ هذا العداء وذلك الحقد في الازدياد بعد أن غير التاريخ مساره ، وأصبحت الغلبة للأوربيين على العالم الإسلامي منذ طرد المسلمين من الأندلس في نهاية القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي ، ومطاردتهم إلى شمال إفريقيا ، ثم تطويق العالم الإسلامي من الخلف ، ووصول الأساطيل البرتغالية إلى مداخل البحر الأحمر الجنوبية ، وتلتها الأساطيل الإنجليزية والفرنسية والهولندية . . . إلخ ، وبدأت قصة استعمار أوروبا لمعظم بلاد وأقطار العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه ، وهنا دخل الاستشراق ليقوم بمهمة تسهيل أمر السيطرة الغربية على العالم الإسلامي ، منفذين كل الدراسات التي يحتاجها رجال السياسة وصناع القرار في العواصم الغربية ، الذين كان يهمهم الوقوف على التاريخ العربي والإسلامي ، والكشف عن الحضارة العربية والتراث الإسلامي ، فأحسنت كل دولة إلى مستشرقيها ، فضمهم ملوكهم إلى حاشيتهم ، أمناء أسراره وتراجمه ، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والديبلوماسية إلى بلدان الشرق ، وولوهم كراسي اللغات الشرقية ، في كبرى الجماعات والمدارس الخاصة ، والمكتبات العامة والمطابع الوطنية ، وأجزلوا عطاءهم في الحل والترحال ، ومنحوهم ألقاب الشرف وعضوية المجامع العلمية « 1 » . ليس من غرضنا من كل ما تقدم في هذه الورقة أن نصم كل المستشرقين بالتعصب ضد الإسلام والمسلمين ، ولا أن نجحد فضل المستشرقين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم في الكشف عن كثير من كنوز حضارتنا ، وتحقيقهم للكثير من مخطوطاتنا العربية الإسلامية ، وبعثها في ثوب جديد وقشيب ، كل ذلك نذكره ونشكرهم عليه ؛ لأننا قوم لا نجحد فضل صاحب الفضل ، هكذا علمنا ديننا وعلمنا رسولنا صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن الذي نريد أن يعلمه قومنا أن الأصوات العاقلة والمنصفة من بين المستشرقين ، والتي أنصفت الإسلام ورسوله ورسالته وحضارته - وهي كثيرة - هذه الأصوات ضاعت وسط الأصوات الحاقدة المتعصبة ، ولم يعد لها أثر في الذهنية الأوربية والأمريكية ، والأثر الذي بقي في الذهنية هو الأثر السلبي الذي تركته الكتابات الحاقدة والمتعصبة ، والذي لا يزال يوجه شعور الأوربيين نحو الإسلام والمسلمين ، وهو شعور الاستعلاء والتكبر على كل ما هو إسلامي ، فهل

--> ( 1 ) بين الإسلام والغرب ، مرجع سابق ( ص 203 ، 204 ) .